محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
72
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور ، وما ذلك على اللّه بعزيز . الذكر : أقرب الطرق إلى اللّه تعالى ، وهو علم على وجود ولايته كما قيل : « الذكر منشور « 1 » الولاية » فمن وفّق للذكر أعطي المنشور ، ومن سلب الذكر فقد عزل ، قال الشاعر : والذكر أعظم باب أنت داخله * للّه ، فاجعل له الأنفاس حرّاسا قال الإمام أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه تعالى عنه : « الذكر عنوان الولاية ، ومنار الوصلة ، وتحقيق الإرادة ، وعلامة صحبه البداية ، ودلالة صفاء النهاية » فليس وراء الذكر شيء ، وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر ، ومنشؤها عن الذكر ، وفضائل الذكر أكثر من أن تحصى ، ولو لم يرد فيه إلّا قوله تعالى في كتابه العزيز ( فاذكروني أذكركم ) وقوله عز وجل فيما يرويه عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه حين يذكرني ، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ، وإن تقرّب إليّ شبرا تقربت منه ذراعا ، وإن تقرّب إليّ ذراعا تقربت منه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة » « 2 » لكان في ذلك اكتفاء وغنية : وهذا الحديث متفق على صحته . قالوا : ومن خصائصه أنه غير مؤقت بوقت ، فما من وقت إلا والعبد مطلوب به ، إمّا وجوبا ، وإمّا ندبا ، بخلاف غيره من الطاعات ، وقال ابن عباس ، رضي اللّه تعالى عنهما : « لم يفرض اللّه تعالى على عباده فريضة إلّا جعل لها حدّا معلوما ، ثم عذر أهلها في حال العذر ، غير الذكر ، فإنه لم يجعل له حدا ينتهي إليه ، ولم يعذر أحدا في تركه إلّا مغلوبا على عقله » . وأمرهم بذكره في الأحوال كلها ، فقال عزّ من قائل : فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ [ النساء : 103 ] . وقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [ الأحزاب : 41 ] ، أي بالليل والنهار وفي البر والبحر والسفر والحضر والغنى والفقر وفي الصحة والسقم والسرّ والعلانية وعلى كل حال . وقال مجاهد ، رضي اللّه تعالى عنه : « الذكر الكثير أن لا تنساه أبدا » ، وروى عن
--> ( 1 ) المنشور : بيان بأمر من الأمور يذاع بين الناس ليعلموه . ( 2 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 2 / 315 ، 4 / 106 ) ، والمنذري في ( الترغيب والترهيب 2 / 393 - 477 ، 4 / 103 ) ، وابن حجر في ( فتح الباري 3 / 384 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 5 / 5 - 6 - 7 - 40 ) ، والسيوطي في ( الحاوي للفتاوي 2 / 24 ) ، وابن الجوزي في ( زاد المسير 8 / 226 ) ، وابن أبي الدنيا في ( حسن الظن ، 3 ) ، والسيوطي في ( الدر المنثور 1 / 149 - 195 ) ، والبيهقي في ( الأسماء والصفات 209 - 284 ) .